الشيخ محمد رشيد رضا

413

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بك أو العامة التي تعالج بها أمر الأمة ، في الدعوة إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، انذارا وتبشيرا ، وتعليما وعملا وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ أي وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن أنزل عليك ، تعبدا به أو تبليغا له ، فمن الأولى للتعليل والثانية للتبعيض ، أو الضمير في منه للكتاب لان السياق بل السورة كلها فيه ، واضماره قبل الذكر ثم بيانه تفخيم له - وقيل للّه لذكره في الآية قبلها والتعبير في خطابه صلّى اللّه عليه وسلّم بالشأن وهو الامر العظيم أو ذو البال يدل على أن جميع أموره وأعماله صلّى اللّه عليه وسلّم كانت عظيمة حتى العادات منها ، لأنه كان قدوة صالحة فيها كلها وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ هذا خطاب عام للأمة كلها في كل شؤونها وأعمالها ، بعد خطاب رأسها وسيدها في أخص شؤونه وأعلاها ، فتذكرك الآية في أخصر الالفاظ وأقصرها بأفضل ما آتاك اللّه من هداية ونعمة ، وتنتقل بك إلى كل عمل تعمله من شكر وكفر وإن كان كمثقال ذرة ، فان مجيء ( عمل ) نكرة منفية يفيد العموم ، ودخول ( من ) التبعيضية عليه يؤكد هذا العموم ، فيشمل أدق الاعمال وأحقرها ، وهو في معنى قوله تعالى ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً اي رقباء مطلعين عليكم إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ اي تخوضون وتندفعون فيه ، فنحفظه عليكم لنجزيكم به ، وأصل الإفاضة في الشيء أو من المكان الاندفاع فيه بقوة أو بكثرة كما تقدم في ( أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ ) وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ اي وما يبعد عنه ولا يغيب عن علمه ولا يخفى عليه ، قرأ الجمهور يعزب بضم الزاي والكسائي بكسرها وهما لغتان فيها - وأصله من قولهم عزب الرجل يعزب بابله ، أي يبعد ويغيب في طلب الكلأ العازب وهو ما يكون بفلاة بعيدة حيث لا زرع ، ويقال رجل عزب بفتحتين أي منفرد ، ومنه رجل وامرأة عزب أي منفرد لا زوج له أو لها ، ويقال امرأة عزبة ، واختلف في أعزب وعزباء ، ونفي عزوب السّيء عن الرب تعالى أخص وأبلغ من نفي الغيبة أو الخفاء عنه . كما أن الإفاضة في العمل أخص من إتيانه مطلقا . وحكمة تخصيصها بالذكر دون اللفظ الأعم منها ، هي أن ما يفيض فيه الانسان مهتما به مندفعا فيه جدير بأن